السيد كمال الحيدري
255
المعاد روية قرآنية
العالم الجسماني أنه كما لنا هنا أبعاد جسمية ، كذلك الحال هناك ، ولكنّها ليست ماديّة ، إذ سلب من الأشياء الاستعداد والقوّة للصيرورة شيئاً أخر عبر الحركة والتغيير . والحاصل أنّ هذه النظرية تعتقد أنّ الحياة الجسمية موجودة في تلك النشأة كما في هذه النشأة ولكن ثمّة كلام حول المادّة وفيما إذا كانت موجودة بالمعنى المتقدّم أم لا . والصحيح أنها غير موجودة ؛ لأنها لو كانت موجودة لأصبح العالم ذاك دار عمل لا دار جزاء . ثمّ إنه في عين كون الجسم موجوداً إلا أنه لا إمكان لتغييره من حال إلى حال ، أي بالخروج من القوّة إلى الفعل ، وإنما كلّ ما هو موجود هناك هو إبداع ، بمعنى أنّ بمقدور أىّ موجود أن يبدع من الأشياء ويوجد بإذن الله بقدر يتناسب مع مرتبته الوجودية ، إلا أنه لا يستطيع أن يغيّر ذاته من وضع لآخر . وسيأتي مزيد توضيح لهذه الحقيقة في المباحث الآتية . وبهذا تنتهى هذه النظرية إلى أنّ القيامة ليست تكراراً صرفاً لهذا النظام الدنيوي كما هو الحال في النظرية الأولى ، وإلا إذا كانت الآخرة تكراراً لهذا النظام الدنيوي فمن المحال أن يفقد خاصّيته ، وإذا كان كذلك لوجد فيه الهرم والموت والتكليف ونحوها . نعم لو ثبت أنّ العالم الجسماني ليس له إلا نحو واحد من الوجود ، وهو ما نشاهده في نشأة الدنيا ، لما أمكن المصير إلى هذه النظرية ، إلا أنّ هذا الأصل لم يقم عليه أىّ برهان عقلىّ أو دليل نقلىّ ، بل يمكن أن نتصوّر عوالم جسمانية متعدّدة ، تختلف من حيث أحكامها بنحو الموجبة الجزئية ، فيصحّ قوله تعالى : وَنُنْشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ . عند ذلك يكون مقتضى بعضها التكليف والعمل ، ومقتضى الآخر الحساب والجزاء .